من القاهرة، لأن المسار يتكشّف للسائر

لم يكن أبي يريدني مهندساً. كان يريدني طبيباً، وإن تعذّر، فصيدلياً. أنا اخترت الهندسة في الثانويّة العامّة بأن حسبت درجاتي بدقّة — بما يكفي للقبول في كلّيّة الهندسة، وبما لا يكفي للطبّ.
كانت تلك أوّل مرّة أختار فيها مساراً بالمعنى الكامل للكلمة. لم تكن الأخيرة.
أقول هذا الآن وأنا أعرف كيف يبدو: قرار مراهقٍ في الأقصر يُعاد قراءته بعد عشرين سنة. لكنّي أعود إليه لأنّ ما فعلته يومها لم يكن تمرّداً ولا مواجهة. كان هندسةً. كان أوّل قرارٍ في حياتي أُحسّن فيه المُدخَلات لأحصل على المُخرَج الذي أريده، دون أن أكسر أحداً في الطريق. لم أكن أعرف يومها أنّني أفعل ذلك. لكنّ الطريقة التي تفكّر بها في السابعة عشرة هي، في الغالب، الطريقة التي ستبني بها شركةً في الأربعين.
المسار الذي يتكشّف للسائر
هناك فكرة لا أستطيع إثباتها بمعادلة، لكنّها أصدق شيءٍ تعلّمته من عشرين سنةً من اتّخاذ قراراتٍ مهنيّة: المسارات التي تُراكِم تتكشّف لمن يسير فيها طويلاً. أمّا المسارات التي تَلمع من بعيد، فغالباً ما تكون لافتات، لا طُرُقاً.
بدأت حياتي المهنيّة عام ٢٠٠٦ في أشباه الموصلات والشرائح الرقميّة. كان أوّل عملٍ جدّيٍّ لي في ComSpots، على مشاريع تشفيرٍ وأمن، بعملاء من القطاع المصرفيّ والدفاع. لم يكن ذلك قراراً رومانسياً. كان السوق الوحيد الذي استقبل مهندساً صغيراً لا يحمل شيئاً سوى رغبةٍ في أن يفهم كيف تُبنى الأشياء من أسفل إلى أعلى. ستّ سنواتٍ بعدها انضممت إلى Silicon Vision في القاهرة، وهي فريقٌ صغيرٌ يُصمّم حلول System-on-Chip لتطبيقاتٍ صناعيّة. وفي يوليو ٢٠١٥ استحوذت Synopsys — إحدى أكبر شركات أتمتة التصميم الإلكترونيّ في العالم — على ملكيّة Bluetooth Smart IP من Silicon Vision، وكان عملاء تلك التقنيّة شركتَي Intel وSony. انتقلت في السنة نفسها إلى ARM Holdings في كامبريدج، حيث قضيت ستّ سنواتٍ في تسليم خطوط منتجاتٍ في الحوسبة عالية الأداء، وحوسبة العميل، والسيّارات، وإنترنت الأشياء.
خمس عشرة سنةً في أشباه الموصلات والشرائح الرقميّة، من ٢٠٠٦ إلى ٢٠٢١.
يُسألني السؤال نفسه كلّما رويت هذا: ولماذا تركت كلّ ذلك لتبني شركة SaaS في القاهرة؟ والجواب أنّني لم أتركه. عام ٢٠١٦، وأنا ما زلت في ARM، أسّست تاكتفُل مع محمد حسن. خمس سنواتٍ كاملةً كنت أعمل في الشركتَين معاً، أبني نهاراً في كامبريدج وأبني ليلاً في القاهرة. لم يكن ذلك بطولةً بل كان يقيناً هادئاً: المسار يتراكم، حتّى حين لا أستطيع أن أُثبت ذلك لأحدٍ، ولا لنفسي.
٢٠٢٢: الفصل الذي بَدا خاتمة
في ٢٠٢٢ استحوذت Dstny — شركةٌ بلجيكيّة — على تاكتفُل. وقّعت الأوراق ولم أكن أعرف ماذا ينتظرني. لم تكن لديّ خريطةٌ لما بعد. كانت لحظةً فيها كلّ شيء: ارتياحٌ ما، وخوفٌ ما، وسؤالٌ لم أُجِب عنه علناً منذ ذلك اليوم: هل انتهى هذا أم بدأ؟ لو قلت لك إنّي كنت واثقاً يومها أنّ المسار سيعود، لكذبت. لم أكن أعرف. كنت في نصفه، لا في نهايته، لكنّ نصف المسار يبدو من الداخل كخاتمةٍ حين لا تكون تعرف أنّه نصف.
كانت تلك السنوات الثلاث داخل Dstny سنوات نضجٍ للمؤسّس قبل أن تكون سنوات نضجٍ للمنتج. خرجت منها بشركةٍ صارت تفهم نفسها أكثر، ومؤسّسٍ صار يفهم أنّ البيع لم يكن هزيمة، وأنّ الاستمرار لم يكن إعجازاً، وأنّ هناك فرقاً بين القرارَين.
في ٢٠٢٤ اشتريت الشركة من جديد. كتبت عن ذلك القرار في مكانٍ آخر (اقرأ هنا)، ولن أُعيده هنا. ما يعنيني في هذا المقام أنّ الذي عاد لم يكن الشركة وحدها، بل كان الدليل على فكرةٍ كنت أظنّها نظريّة: ما بُني ببطءٍ يَظهر بسرعةٍ حين تحين ساعته. في فبراير ٢٠٢٦ أغلقنا جولة Pre-Series A بقيمة مليون دولار بقيادة Foras AI وM Empire. نحن اليوم ستّون مهندساً في القاهرة، بأكثر من ٥ ملايين دولار مُستثمَرةً تراكميّاً في R&D، وبنموٍّ في الاستخدام قدره ١٢٥ ضعفاً منذ بداية هذه المرحلة.
البرهان
قصّةٌ شخصيّة لا تُثبت أطروحة. لكنّ ثلاث دولٍ سبقتنا إلى السؤال نفسه قد تُثبتها.
تايوان أسّست TSMC عام ١٩٨٧ بمبادرةٍ حكوميّةٍ واحدة، واليوم تُصنّع نحو ٩٠٪ من الشرائح الأكثر تقدّماً في العالم بحسب بيانات SEMI وGartner. إسرائيل أطلقت برنامج Yozma عام ١٩٩٣، وتُنفق اليوم قرابة ٥٪ من ناتجها المحلّيّ على البحث والتطوير، وهي من أعلى النسب عالميّاً بحسب OECD — أذكر هذا بوصفه واقعةً اقتصاديّةً وجغرافيّة، لا تأييداً لسياسة، ولأنّ من يقول لك إنّ جغرافيّتنا لا تسمح ببناء تقنيّةٍ عالميّة، عليه أن يشرح كيف بُني كلّ هذا على بُعد ساعاتٍ قليلةٍ منّا. الإمارات جاءت متأخّرةً نسبيّاً — Hub71 في أبوظبي أُطلق عام ٢٠١٩، وG42 صارت لاعباً عالميّاً في الذكاء الاصطناعيّ خلال سنواتٍ قليلة. ثلاث دول، ثلاثة مساراتٍ مختلفة، وقاسمٌ واحد: كلٌّ منها بدا في بدايته عاديّاً، غير ملفتٍ، غير كافٍ في نظر من ينظر من بعيد.
لا توجد "طريقةٌ صحيحة" لبناء قطاعٍ تقنيٍّ عالميّ. توجد فقط طرقٌ راكمت، وطرقٌ لم تُراكم. وحدها الطرق التي راكمت كانت تبدو في بدايتها عاديّةً وغير كافية. وحدها الطرق التي لم تُراكم كانت تبدو في بدايتها طموحةً ومُبهرةً وسريعة.
في ٢٠٢٥ صدر تقرير KPMG UK السنويّ عن تجربة العميل، وضمّ دراسة حالةٍ عن نشر تاكتفُل في شركة العربيّ جروب، كتبها البروفيسور محمد زكي من Cambridge Service Alliance. الأرقام داخل التقرير: معدّل الحلّ من أوّل اتّصال (FCR) ارتفع من ٥٣٪ إلى ٩٢٪، مؤشّر رضا العميل (CSAT) قفز من ٢٢٪ إلى ٨٠٪، زمن الاستجابة الأوّل هبط من ٣٦ دقيقةً إلى أقلّ من ١٠، مع أكثر من ٣٠٬٠٠٠ تفاعلٍ آليٍّ شهريّاً، ومبيعاتٍ رقميّةٍ تجاوزت عشرات الملايين من الدولارات.
القيمة هنا ليست في الأرقام. الأرقام كتبها غيري، وتلك قوّتها. القيمة أنّ المرجع الذي اختار أن يدرس هذه الحالة هو كامبريدج نفسها، الجامعة التي عشت في ظلالها ستّ سنوات. الدائرة لم تُغلَق؛ الدائرة اكتملت من تلقاء نفسها حين كان المسار قد راكم ما يكفي ليُرى. وفي ٢٠٢٦، رُشّحت تاكتفُل ضمن أفضل ثلاث شركاتٍ في فئتَي الذكاء الاصطناعيّ والتقنيّات العميقة في جوائز رواد الأعمال المصريّين (EEA).
فجوة الطموح قرارٌ، لا قَدَر
في هذه المنطقة، نحن لسنا خلف العالم لأنّنا نفتقر إلى الموهبة، ولا لأنّ الجغرافيا ضدّنا، ولا لأنّ رأس المال شحيحٌ، على الأقلّ ليس بالقدر الذي يُحتجّ به. نحن خلف العالم لأنّنا نتّخذ قراراتٍ قصيرة المدى باستمرار، وننتظر أن تتراكم نتائجها. التراكم لا يحدث للقرارات القصيرة. التراكم يحدث للقرارات التي تحترم الزمن.
الفجوة ليست في الموهبة. الفجوة في الطموح. وفجوة الطموح قرارٌ، لا قَدَر.
قال ابن خلدون في مقدّمته إنّ العمران يقوم على التدرّج، وأنّ الدولة إذا استعجلت العمران أفسدته. ما يُبنى على عَجَلٍ يُؤكَل على عَجَل. ما يُبنى على مَهَلٍ يَبقى. القاهرة التي يُبنى منها اليوم ما لم يكن يُبنى في ٢٠٠٦ هي القاهرة نفسها التي بدأت منها. الفرق أنّ المسار صار يتكشّف لمن يسير فيه طويلاً، ولم يعد يحتاج إلى أن يُبرَّر في كلّ خطوة.
أبي ما زال يسألني أحياناً، بطريقته، عن سبب اختياري هذا الطريق. لم أعد أجيبه بالمنطق الذي كنت أجيبه به قبل عشرين سنة. أجيبه بأنّ بعض الطرق تُمشى لأنّها تستحقّ، حتّى إن لم يعرف أحدٌ نهايتها. وأنّ كلّ ما أعرفه عن البناء، تعلّمته من قراري الأوّل في السابعة عشرة: احسب درجاتك بدقّة، واختر الطريق الذي يأخذك إلى حيث تريد الذهاب، لا إلى حيث يُتوقَّع منك أن تصل.
قالوا الصبر مفتاح الفرج. والصحيح أنّ الصبر هو الفرج نفسه، حين يكون فعلاً لا انتظاراً.
محمد المصري مؤسّس ورئيس تنفيذيّ لـ تاكتفُل، ويبني بنيةً تحتيّةً لتجربة العميل بالذكاء الاصطناعيّ من القاهرة. من الأقصر، إلى كامبريدج، إلى القاهرة — يمكن قراءة القصّة كاملةً هنا.
Frequently asked questions
هل يمكن بناء شركة ذكاء اصطناعي عالمية من القاهرة؟+
نعم، والدليل لا يحتاج إلى افتراض. تاكتفُل تبني بنيةً تحتيّةً لتجربة العميل بالذكاء الاصطناعيّ من القاهرة بفريقٍ يضمّ ستّين مهندساً، وقد وثّقت KPMG UK إحدى دراسات الحالة الخاصّة بها في تقريرها العالميّ السنويّ عن تجربة العميل. العالميّة ليست عنواناً على الخريطة، بل هي معيارٌ في البناء: العميل، والبيانات، والبحث والتطوير، والتوثيق المستقلّ من مرجعٍ دوليّ.
لماذا القاهرة تحديداً، وليس لندن أو دبي؟+
لأنّ القاهرة اليوم تقدّم ما لا تقدّمه كثيرٌ من العواصم مجتمعةً: كثافة مواهب هندسيّةٍ مدرّبة، وتكلفة بحثٍ وتطويرٍ تسمح بالتجريب الطويل، وقربٌ حقيقيٌّ من عملاء المنطقة بلغتهم وسياقهم. لندن علّمتني ستّ سنواتٍ في ARM كيف تُبنى خطوط منتجاتٍ عالميّة، ودبي منصّةٌ ممتازة للنموّ الإقليميّ، لكنّ المسار الذي يَتراكم بالنسبة لي يبدأ هنا. القاهرة ليست اختيار توفير — هي اختيار تراكم.
ما الذي يجعل شركةً تقنيّةً من المنطقة «عالميّة»؟+
ثلاثة أشياء متلازمة: أن تُبنى تقنيّتها على مستوى عالميّ لا على مستوى "جيّدٍ بما يكفي للسوق المحلّي"، أن تُوثَّق نتائجها من مراجع مستقلّةٍ دوليّةٍ كـ KPMG أو Gartner أو جامعات البحث، وأن تُختار طوعاً من عملاء يملكون كلّ الخيارات. العالميّة ليست في جواز السفر الذي تحمله الشركة، بل في المعيار الذي تُحاسِب نفسها عليه داخليّاً.
ما الأمثلة الدوليّة على دولٍ بَنَت قطاعاً تقنيّاً من الصفر؟+
ثلاثة أمثلةٍ واضحة، كلٌّ منها على مسارٍ مختلف. تايوان بَنَت TSMC منذ ١٩٨٧، وتُمسك اليوم بنحو ٩٠٪ من تصنيع أشباه الموصلات الأكثر تقدّماً بحسب بيانات SEMI وGartner. إسرائيل تُنفق نحو ٥٪ من ناتجها المحلّيّ على البحث والتطوير بحسب OECD (٢٠٢٢)، في بلدٍ عدد سكّانه أقلّ من عشرة ملايين، وبدأت بمبادرةٍ حكوميّةٍ واحدةٍ اسمها Yozma عام ١٩٩٣. الإمارات بَنَت منصّاتها التقنيّة بنموذجٍ مختلف — رأس مالٍ سياديٍّ طويل الأمد، ومبادراتٍ مثل Hub71 عام ٢٠١٩ — وصارت G42 اليوم لاعباً عالميّاً. ثلاث طرقٍ مختلفة، نتيجةٌ واحدة: التراكم عبر عقود.
كم من الوقت يستغرق بناء شركة تقنية عالمية من المنطقة؟+
أطول ممّا يتوقّع معظم المؤسّسين، وأقصر ممّا يعتقد معظم المتشائمين. تاكتفُل تأسّست عام ٢٠١٦، ومرّت باستحواذٍ في ٢٠٢٢، ثمّ بإعادة امتلاكٍ في ٢٠٢٤، ثمّ بإغلاق Pre-Series A في فبراير ٢٠٢٦. عشر سنواتٍ من العمل، وخمس سنواتٍ من التراكم الحقيقيّ داخل هذا العمل. لا توجد قاعدةٌ عامّة، لكنّ الأنماط واضحة: العقد الأوّل هو بناء الجذور، والعقد الثاني هو حصاد ما زُرع في الأوّل. من يريد نتائج في سنتَين يبني شيئاً آخر، لا شركةً تقنيّةً عالميّة.